عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

169

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

إنّ فساد القضاة الذين كانوا يسيرون في موكب الطغاة وهجوهم ظلّ لوقتٍ طويل مورداً غزيراً لشعراء الشيعة ، ولم يكن هؤلاء الشعراء يقصدون من هجاءهم مجرّد الإضحاك بلا مغزى ، فانتقادهم وهجاؤهم لهؤلاء القضاة جعل شعرهم يعدّ من مظاهر الهجاء السياسي والتّمرد على الجور والمفاسد الاجتماعية ، ومن هنا أتت أهمية شعرهم وتفرّده في الشعر العربي . كان السيّد الحميري من كبار شعراء الشيعة وقد كرّس بعض قصائده ومقطوعاته الشعرية لهجاء القضاة في السلطة العباسية . وممن رماهم الشاعر بهجائه سوّار بن عبد الله العنبري « 1 » قاضي البصرة للمنصور الخليفة العباسي والذي كان يعدّ أكبر القضاة في تلك الفترة ، والذي أصبح مادّة خصبة له في هجائه السياسي . يعدّ القاضي رمزاً للعدالة ورمزاً لإحقاق الحقّ فلذا ينبغي أن يتّصف بالورع والتّقوى والعدل الذي تؤهلّه لهذا المنصب وعليه أن يبتعد عن الكبر والغرور والخباثة . وللسيّد مقطوعة تناول سوّاراً وخاطب فيها أبا جعفر المنصور في هجائه : « 2 » لا تَسْتَعِنْ بِخِبِيثِ الرَّأىِ ذِي صَلَفٍ * جَمِّ العُيُوبِ عَظِيمِ الكبرِ جَبَّارِ « 3 » تُضْحِي الخُصُومُ لَدَيْهِ مِنْ تَجَبُّرِهِ * لايَرْفَعُونَ إلَيْهِ لَحْظَ أبْصَارِ تِيهَاً وَكبْرَاً وَلَوْلا مَا رَفَعَتَ لَهُ * مِنْ ضَبْعِهِ كانَ عَيْنَ الجَائِعِ العَارِي « 4 » فيصف الشاعر سوّاراً بالأوصاف التي تضرّ منصب القضاء إذ يهجوه بخباثة الرأي والتكبّر بحيث لا يستطيع من حضر للحكم عنده أن يرفع بصره إليه من شدّة تكبّره ، ثمّ يخاطب

--> ( 1 ) - هو سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قدامة ، من بني العنبر ، من تميم ، أبو عبد الله العنبري ، من أهل البصرة ، نزل بغداد ووليَّ بها قضاء الرصافة ، له علم بالفقه والحديث ، وكفّ بصره في أواخر أعوامه ، توفي ببغداد سنة 245 ه ( الزركلي 3 : 213 ) . ( 2 ) - الحميري ، الديوان ، ص 111 ( 3 ) - الصّلِف : من صَلِفَ فلان : لم يحظَ عند النّاس وأبغضوه . ( 4 ) - الضبع في الأصل : وسط العضد بلحمه ، وقيل : الإبط وقد جاء في أساس البلاغة مادّة " ضبع " وأخذت بضبعيه ومددت بضبعيه إذا نعشته ونوّهت باسمه .